شهدت الشوارع المغربية في الآونة الأخيرة موجة من الهجمات المتكررة من قبل الكلاب الضالة، ما أثار مخاوف المواطنين وأعاد الجدل حول دور الجمعيات الحقوقية والبيئية في التصدي لهذه الظاهرة المتفاقمة. فبينما تواصل الجمعيات المغربية لحماية الحيوانات نضالها القضائي للدفاع عن حقوق الكلاب، يظل المواطن العادي يتساءل: أين دور هذه الجمعيات عندما تهاجمه كلاب ضالة في وضح النهار؟
واقع مقلق.. هجمات يومية تهدد سلامة المواطنين
تشهد مدن مغربية عدة، بينها الدار البيضاء ومراكش وفاس، تزايدا ملحوظا في أعداد الكلاب الضالة التي باتت تشكل تهديدا حقيقيا لسلامة المارة. ففي فاس، هاجم مجموعة من الكلاب الضالة مواطنا في الطريق المؤدية إلى مدخل المدينة، وتحديدا على طريق صفرو، وهو محور حيوي يشهد حركة كثيفة للعمال والطلاب. ولم تكن هذه الحادثة معزولة، إذ شهدت مراكش حادثة مماثلة كادت أن تودي بحياة طفلة صغيرة، مما دفع السكان إلى المطالبة بتدخل عاجل لحماية التلاميذ والمشاة.
ويؤكد شهود عيان أن تفاقم هذه الظاهرة تزامن مع التوسع العمراني الذي تشهده المدن، دون مواكبة كافية على مستوى التدبير البيئي والصحي. ويتحتم على العائلات الآن مرافقة أطفالها يوميا إلى المدارس، وتغيير مساراتها لتجنب مناطق تمركز الكلاب.
الجمعيات.. حضور قضائي بارز وغياب ميداني؟
على الجانب الآخر، تواصل الجمعيات المغربية المعنية بحماية الحيوانات جهودها القانونية للدفاع عن حقوق الكلاب الضالة. فالجمعية المغربية لحماية الحيوانات (SPA du Maroc) لوحت باللجوء إلى القضاء ضد السلطات المختصة، متهمة إياها بممارسات عنيفة في حق هذه الحيوانات أثناء عمليات جمعها. وقد توج هذا التحرك القضائي بحكم إداري بالرباط في يوليو 2025، اعتبر أن وزارة الداخلية تتحمل المسؤولية القانونية عن عمليات قتل الكلاب الضالة بالرصاص، ووصف تقاعسها عن وقف هذه الممارسات بـ"الشكل من عدم المشروعية الإدارية".
لكن هذا الحضور القضائي البارز يثير تساؤلات حول مدى فعالية هذه الجمعيات في معالجة جذور المشكلة. فبينما تنشط في المحاكم وتستنزف الأموال العامة في معارك قانونية، يظل الواقع الميداني يشهد هجمات يومية على المواطنين. ويشير مراقبون إلى أن الأولوية يجب أن تكون للتعاون مع السلطات المحلية في تنفيذ برامج التعقيم والتلقيح، بدلا من التركيز على الملفات القضائية فقط.
واقعة "بن نسناس".. اختبار حقيقي لدور الجمعيات
شكلت قضية اليوتيوبر المغربي "بن نسناس" (Bn Nsns) محطة فارقة في مسار الجمعيات الحقوقية. فبعد تداول فيديو يظهر فيه هذا اليوتيوبر، الذي يتابعه أكثر من 2.28 مليون مشترك على يوتيوب، وهو يذبح ويطبخ كلبا ضالا خلال عيد الأضحى، أثارت الواقعة موجة غضب عارمة.
هنا تحركت الجمعيات بسرعة، حيث أعلنت جمعية "إرحام" لحماية الحيوان والبيئة بالسعيدية عن تكليفها محامية لمباشرة الإجراءات القانونية اللازمة، مطالبة بفتح تحقيق وتحديد المسؤوليات وتطبيق الأحكام القانونية. وقد تم توقيف "بن نسناس" وإيداعه السجن المحلي عين عرجات 1، بتهم تشمل المساس بالدين الإسلامي والتهديد بجريمة والتهديد بجنح وأفعال إساءة معاملة حيوان.
هذه الواقعة أظهرت قدرة الجمعيات على التحرك السريع والحاسم عندما يتعلق الأمر بحماية الحيوانات من سوء المعاملة، لكنها في الوقت نفسه سلطت الضوء على التناقض: فبينما تدافع الجمعيات بقوة عن كلب واحد تعرض للإيذاء، يظل مئات المواطنين يتعرضون للهجوم يوميا من قبل الكلاب الضالة دون رد فعل مماثل.
استنزاف الأموال العامة.. بين التبرير والواقع
كشف وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس المستشارين في يوليوز 2025، أنه تم رصد ما يناهز 240 مليون درهم خلال الخمس سنوات الأخيرة لإحداث وتجهيز مراكز لجمع وإيواء الحيوانات الضالة. كما تمت برمجة إنجاز أكثر من 20 محججا على مستوى المملكة.
هذه الميزانيات الضخمة تثير تساؤلات حول مدى جدوى الإنفاق، خاصة في ظل استمرار تفاقم الظاهرة. ويرى البعض أن الجمعيات تساهم في استنزاف هذه الأموال من خلال معاركها القضائية المستمرة، دون تقديم حلول ملموسة على الأرض. غير أن الجمعيات تدافع عن موقفها، مؤكدة أن الدفاع القضائي ضروري لضمان احترام المقاربة الإنسانية في تدبير ملف الكلاب، خاصة بعد توقيع الاتفاقية-الإطار سنة 2019 التي تروج لأساليب إنسانية كالتعقيم والتلقيح بدلا من القتل.
نحو حلول متوازنة
لا يمكن إنكار أن معالجة ظاهرة الكلاب الضالة تتطلب مقاربة متوازنة تجمع بين حماية المواطنين واحترام حقوق الحيوان. ويشدد فاعلون مدنيون على أهمية إشراك جميع الأطراف المعنية، من الجماعات الترابية والخدمات البيطرية إلى الجمعيات، في إطار مقاربة تشاركية تضمن التوازن بين حماية الإنسان والحيوان.
ويبقى السؤال المطروح: هل تستطيع الجمعيات المغربية لحماية الحيوانات تجاوز دورها القضائي لتتبنى دورا أكثر فعالية في معالجة جذور المشكلة؟ وهل يمكن توجيه جزء من الميزانيات الضخمة المرصودة لهذا الملف نحو برامج التعقيم والتلقيح والتوعية، بدلا من إنفاقها في معارك قانونية لا تنتهي؟
في النهاية، يظل الشارع المغربي هو الحكم الفيصل في هذا النقاش. فبينما تتواصل الهجمات اليومية وتتصاعد مخاوف المواطنين، تبقى الأولوية القصوى هي تأمين الفضاء العام وضمان سلامة الجميع، دون التفريط في قيم الرفق بالحيوان التي تشكل جزءا من هوية المجتمع المغربي.
