شهدت المقاهي والمطاعم المغربية خلال شهر يونيو ويوليو 2026 طفرة استثنائية في النشاط، تزامناً مع تنظيم كأس العالم في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. ومع فارق التوقيت مع الدول المنظمة، سارعت العديد من الجماعات المحلية، وعلى رأسها مراكش وأكادير، إلى تمديد ساعات العمل حتى الرابعة والخامسة صباحاً، مما أتاح للمشجعين متابعة المباريات في أجواء احتفالية. وشهدت المحلات إقبالاً غير مسبوق، حيث تضاعف عدد الزبائن ثلاث مرات خلال أيام المباريات، وتحولت المقاهي والمطاعم إلى وجهة رئيسية لعشاق كرة القدم. غير أن هذه الانتعاشة رافقتها ممارسات تجارية أثارت الجدل، حيث سجلت بعض المحلات زيادات في الأسعار تراوحت بين 15 و40%، وهو ما نفته الفيدرالية الوطنية لأرباب المقاهي والمطاعم، مؤكدة أنه لا وجود لأي اتفاق جماعي لرفع الأسعار.
غير أن مهنيي القطاع حذروا من أن هذا الانتعاش الموسمي "لا يمكنه تعويض الخسائر أو حل الأزمات المتراكمة خلال بقية أيام السنة"، مؤكدين أن النشاط عاد إلى وتيرته الطبيعية بعد خروج المنتخب المغربي من البطولة. ويعاني القطاع من أعباء مالية ثابتة ومشاكل هيكلية تراكمت على مدار السنوات، من بينها ارتفاع تكاليف الطاقة وأجور العاملين وساعات العمل الإضافية الليلية، إضافة إلى صعوبة تنظيم فترات عمل المستخدمين وتأمين وسائل النقل لهم في أوقات متأخرة. وقد شددت الجامعة الوطنية لأرباب المقاهي والمطاعم على ضرورة تحقيق توازن مالي يضمن هامش ربح معقول للمهنيين دون إثقال كاهل المواطن، ودعت إلى فتح قنوات حوار مع السلطات المحلية لمنح "تسهيلات استثنائية" مؤقتة تتيح تمديد ساعات الإغلاق خلال أيام المباريات.
ويبقى السؤال الأهم: هل يمكن لهذه الانتعاشة المؤقتة أن تشكل نقطة تحول حقيقية لقطاع يعاني من أزمات هيكلية متراكمة؟ الإجابة، وفق المهنيين أنفسهم، تبدو واضحة: فالنشاط الموسمي المرتبط بالأحداث الرياضية الكبرى، مهما بلغت حدته، لا يمكنه تعويض الخسائر المتراكمة أو معالجة الاختلالات العميقة التي يعاني منها القطاع. ومع عودة الأمور إلى طبيعتها بعد خروج "أسود الأطلس"، تعود المقاهي والمطاعم لمواجهة تحدياتها اليومية: الأعباء المالية الثابتة، تناقص الهامش الربحي، وتفاوت القرارات بين المدن ما يخلق تشويشاً تنظيمياً. إن ما يحتاجه القطاع ليس انتعاشاً موسمياً عابراً، بل إصلاحات هيكلية جذرية تضمن استدامته، وتوحيد الرؤى بين الفاعلين والسلطات، وإيجاد آليات دعم تمكن المهنيين من تجاوز الأزمات التي لا تحلها مباريات كرة القدم، مهما كانت مثيرة.