في سياق عالمي يتَّسم بالتشرذم الجيوسياسي وتكاثر الأزمات، يفرض المغرب نفسه قائداً محورياً في "الجنوب العالمي" قادراً على ربط القارات والكتل والثقافات. تحت القيادة الملكية لصاحب الجلالة محمد السادس، لم يعد المغرب مجرد فاعل جهوي عادي، بل يُسهم في تشكيل الهندسات الجديدة للاقتصاد والأمن والسياسة في أفريقيا. يرتكز هذا الصعود على استراتيجية متعددة الأبعاد تجمع بين الدبلوماسية الاستباقية والاندماج الاقتصادي والإصلاحات الداخلية العميقة. في سنوات 2025-2026، تتضاعف النجاحات الدبلوماسية، ويتسع الدعم الدولي لمخطط الحكم الذاتي للصحراء، وتتبلور المبادرة الأطلسية الأفريقية. في الوقت نفسه، يؤكد المغرب وضعه كقطب صناعي وطاقي، ويُجري إصلاحات اجتماعية طموحة. هذا المزيج الفريد من المؤهلات الطبيعية والرؤية الاستراتيجية والاستقرار المؤسسي يسمح للمملكة بأن تتبوأ موقعاً كشريك لا غنى عنه في أفريقيا وخارجها. يحلل هذا المقال، في عشر نقاط رئيسية، الأوراق المختلفة التي يلعبها المغرب بشكل منهجي لتعزيز وتوسيع نطاق ريادته الجهوية.
تُشكّل إعادة تفعيل القيادة الأفريقية حجر الأساس لتثبيت المغرب قارياً، وذلك من خلال العودة إلى الاتحاد الأفريقي عام 2017. لم يعد المغرب مجرد عضو عادي، بل يعمل بنشاط على هيكلة الديناميات الاقتصادية والسياسية الجديدة في القارة. تتجسد هذه المقاربة في تعاون جنوب-جنوب نشط واستثمارات موجهة في قطاعات مهيكلة كالمال والاتصالات والفلاحة. في صميم هذه الاستراتيجية يكمن "العرض المغربي"، وهو مفهوم يتجاوز البعد الطاقي ليشمل التنافسية الاقتصادية والاندماج في سلاسل القيمة العالمية وتطوير البنية التحتية الاستراتيجية. يُبرز الخطاب الملكي ليوم 29 يوليوز 2025 هذه الرؤية عبر ثلاث ركائز كبرى: المبادرة الأطلسية الأفريقية، وتحصين العرض المغربي، وتعزيز التعاون الأمني. هذه الحضور المعزز في القارة الأفريقية يسمح للمغرب بنسيج تحالفات صلبة ومستدامة، تخدم تنمية متبادلة المنفعة. يعتمد المغرب على استراتيجية رابح-رابح تجعله مقصداً للعديد من العواصم الأفريقية الباحثة عن نموذج تنموي ناجح. وهكذا، تتحول القارة من فضاء للنفوذ التقليدي إلى ساحة تنافسية يحظى فيها المغرب بمصداقية متزايدة.
تُحدث المبادرة الأطلسية الأفريقية تحولاً جيوسياسياً عميقاً في منطقة الساحل وتفتح آفاقاً تنموية جديدة. أُطلقت هذه المبادرة بناء على توجيهات ملكية بهدف تحويل المشهد الجيوسياسي لمنطقة الساحل وأفريقيا جنوب الصحراء عبر منح الدول غير الساحلية منفذاً مباشراً إلى المحيط الأطلسي. تتجسد هذه الطموحات في ممرات برية وسككية تربط عواصم الساحل بالموانئ المغربية، وعلى رأسها طنجة المتوسط أول ميناء في أفريقيا. عزز البعد الاستراتيجي لهذه المبادرة الدعم الصريح من الولايات المتحدة وفرنسا اللتين ترى فيها رافعة لتحقيق الاستقرار الجهوي. في سياق ساحلي يتسم بالتشرذم الأمني وتواتر الانقلابات، تقدم المبادرة الأطلسية بديلاً موثوقاً به عن المسالك التقليدية التي تهيمن عليها قوى أخرى. كما تكسّب المغرب وظيفة الجسر الاستراتيجي بين أفريقيا وأوروبا والأمريكيتين، مما يعزز مكانته الفريدة في التبادلات العالمية. تشمل المبادرة مشاريع ضخمة في الطاقة المتجددة وتثمين الموارد السمكية والصناعة اللوجستية. بذلك، يتحول المحيط الأطلسي من فضاء هامشي إلى محور أساسي في الرؤية الجيوسياسية المغربية.
تُصبح الدبلوماسية الاقتصادية والنفوذ عبر الأسمدة سلاحين فعّالين في استراتيجية المغرب للتأثير في القارة. تحوّل المكتب الشريف للفوسفاط (OCP)، أول مُصدّر للفوسفاط في العالم، إلى ذراع حقيقي للدبلوماسية المغربية في أفريقيا. يضم الفرع الأفريقي للمجموعة اثنتي عشرة شركة تابعة في القارة ويمتد وجوده إلى 42 دولة، ناسجاً شبكة من الشراكات الاقتصادية الوثيقة. الأزمة الجيوسياسية في مضيق هرمز، التي تسببت في قفزة بأسعار اليوريا بنحو 77% بين ديسمبر 2025 ومارس 2026، عززت بشكل مفارق موقع المغرب. إزاء الهشاشة البنيوية للقارة الأفريقية في مجال الأسمدة، تفرض المملكة نفسها حامياً للأمن الغذائي الأفريقي، محولة أزمة لوجستية عالمية إلى رافعة دائمة للنفوذ الجيوسياسي. كل تحول دبلوماسي لصالح المغرب، كما حدث مع غانا وكينيا ومالي، يُصاحبه بشكل منهجي تبرعات من الأسمدة أو مشاريع صناعية تقودها OCP. هذه السياسة تجعل من الأسمدة سلاحاً دبلوماسياً ناعماً يخترق حدود القارة. بهذا الأسلوب، يحوّل المغرب الحاجة الماسّة للمنتوجات الفوسفاتية إلى ولاء سياسي مستدام.
تحقق الاختراقات الدبلوماسية التاريخية في ملف الصحراء الغربية توسيعاً ملحوظاً لقاعدة الدعم الدولي للمغرب. تؤكد سنة 2026 وتسرّع ديناميكية انطلقت منذ 2020، تتسم بالتآكل المستمر لأطروحات الكيان المزعوم والتصاعد الكبير في دعم مخطط الحكم الذاتي المغربي. دول كبرى مثل الولايات المتحدة وبريطانيا والنمسا وسويسرا وكندا اعترفت صراحة بأن مخطط الحكم الذاتي هو الأساس الأكثر واقعية لحل النزاع الإقليمي. يشكل انسحاب مالي من الاعتراف بالكيان المزعوم في 10 أبريل 2026 انتصاراً دبلوماسياً كبيراً، إذ باتت باماكو تصف مخطط الحكم الذاتي بأنه "الأساس الجاد والوحيد القابل للتصديق". كما صادق قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797 على المقاربة المغربية، بمشاركة أمريكية نشطة في حل النزاع. حسب الحكومة المغربية، فإن أكثر من 120 دولة تدعم الآن هذا الموقف، وهو رقم يشهد على فعالية الدبلوماسية الملكية المدمرة للخصوم. يُستثمر هذا الزخم في جولة جديدة من الاعترافات من طرف دول أوروبية وإفريقية إضافية. وهكذا، يصبح ملف الصحراء رافعة وليس عائقاً لريادة المغرب الجهوية.
يضع الريادة الطاقية والتحول الأخضر المغرب في مصاف الدول الرائدة جهوياً بلا منازع، حيث بلغت القدرة الإجمالية للطاقات المتجددة 4 آلاف و696 ميغاواط نهاية 2024. يهيمن على المزيج الطاقي المغربي طاقتا الرياح (1788 ميغاواط) والشمس (1721 ميغاواط)، ومعظمها بتقنية الطاقة الشمسية الحرارية المركزة، بينما استقرت الطاقة الكهرومائية عند 1770 ميغاواط. الطموح المُعلن هو رفع حصة الطاقات المتجددة إلى 52% من المزيج الطاقي بحلول 2030، وهو هدف يجعل من المغرب نموذجاً يحتذى في القارة بأسرها. كما يضع المغرب نفسه قطبا جهوياً ودولياً للهيدروجين الأخضر، عبر اختيار ستة تحالفات وطنية ودولية لتطوير مشاريع كبرى خاصة في مناطق الصحراء الثلاث. تُعزز الشراكات الاستراتيجية المبرمة مع دولة الإمارات العربية المتحدة وتمديد مشروع الغازي هذه المسار الصاعد. يتماشى هذا التوجه مع الاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة، التي تهدف إلى تقليص الانبعاثات الكربونية وخلق ملايين فرص العمل الخضراء. بفضل هذه الإنجازات، يتحول المغرب من مستورد للطاقة إلى منتج ومصدّر فاعل، معززاً أمنه الطاقي واستقلاليته الاستراتيجية.
يشكل النهوض الصناعي والقوة اللوجستية لميناء طنجة المتوسط منصة عالمية للإنتاج والتبادل، بحجم أعمال صناعي بلغ 188 مليار درهم سنة 2025. سجّل ميناء طنجة المتوسط، القطب اللوجستي بامتياز، معالجة 11 مليون حاوية سنة 2025، مؤكداً مكانته كميناء أول في أفريقيا والبحر الأبيض المتوسط. تحتل صناعة السيارات موقعاً محورياً في هذه الدينامية، بحوالي 125 مليار درهم من رقم المعاملات السنوي وإنتاج يتجاوز 700 ألف مركبة سنوياً. أصبح المغرب بذلك أول مُصنّع للسيارات في أفريقيا، جاذباً كبريات الأسماء في القطاع مثل "بي إس إيه" و"رينو" و"ستيلانتيس" و"فولفو". يمتد النجاح الصناعي أيضاً إلى الطيران والتكنولوجيات الحديثة، حيث يجري بناء نظام بيئي متكامل للتشغيل الباطن ذي القيمة المضافة العالية. الموقع الجغرافي المتميز للمملكة، على مفترق طرق أوروبا وأفريقيا والأطلسي والبحر الأبيض المتوسط، يجعلها منصة للـ"نيرشورينغ" (التقريب الصناعي) تزداد جذباً للمستثمرين الدوليين. تساهم منطقة طنجة الحرة بصفة خاصة في استقطاب استثمارات ضخمة من شركات عالمية. هذا المزيج بين اللوجستيك والصناعة يجعل من المغرب بوابة لا غنى عنها للأسواق الأوروبية والإفريقية.
تجعل السياسة الهجرية والاستقرار الأمني من المغرب نموذجاً جهوياً في إدارة التدفقات ومحاربة التطرف، حيث طوّر سياسة هجرية مبتكرة منذ 2013. هيكلت هذه السياسة حول عمليتين لتسوية واسعة النطاق، تم خلالهما تسوية وضعية أكثر من 46 ألف مهاجر ولجوء آلاف اللاجئين على أراضيه. هذه المقاربة الإنسانية، المحترمة لحقوق الإنسان، تتناقض مع السياسات القمعية لدى بعض الجيران وتُرسّخ سمعة المغرب كأرض للاستقبال والعبور. في الوقت نفسه، أظهرت المصالح الأمنية المغربية فعالية مدمرة في محاربة الإرهاب، بتفكيك مئات الخلايا وإحباط اعتداءات كبرى كل سنة. يُعزز التعاون الأمني الثنائي ومتعدد الأطراف، خاصة مع الولايات المتحدة عبر مناورة "الأسد الإفريقي" الاستراتيجية، هذه الريادة الجهوية في مجال الاستقرار. يجمع المغرب بين الانفتاح الإنساني والصرامة الأمنية في نموذج فريد يُقلّده العديد من البلدان الأفريقية. كما يُسهم التعاون مع المنظمة الدولية للهجرة في بناء قدرات الدول الإفريقية في تدبير الهجرة. بفضل هذه السياسة، يُحول المغرب تحدياً إنسانياً معقداً إلى فرصة للتعاون والنفوذ الجهوي.
تُعزز الإصلاحات الاجتماعية والحماية الشاملة التماسك الداخلي والنموذج التنموي المغربي، حيث تهدف تعميم الحماية الاجتماعية (منذ 2021) إلى توسيع التغطية الصحية والمنح العائلية لجميع السكان. من المقرّر أن يستفيد من هذا الإصلاح أكثر من 22 مليون مغربي بحلول 2026، في قفزة نوعية نحو دولة اجتماعية حديثة. الإصلاح الطموح لمدونة الأسرة، الذي دخل حيز التنفيذ سنة 2025، يُحدّث وضع المرأة بشكل جذري برفع سن الزواج القانوني إلى 18 سنة وإدخال الحضانة المشتركة للأطفال. يشكّل النموذج التنموي الجديد (2021) الإطار الاستراتيجي الشامل لتحويل الاقتصاد المغربي وتقليص الفوارق الجهوية والاجتماعية. كما أُصلحت العدالة الجنائية باللجوء المتزايد إلى البدائل عن الاعتقال الاحتياطي وتعزيز الضمانات الإجرائية. تُنفذ هذه الإصلاحات الاجتماعية والقضائية في إطار من الاستقرار السياسي، مما يعزز الشرعية الداخلية للنموذج المغربي. تُشكّل هذه الإنجازات حجة قوية في الترويج للمملكة كمثال يُحتذى في القارة الأفريقية. بهذه المقاربة التشاركية، يُساهم المواطن المغربي في بناء ريادة وطنه من خلال تماسك مجتمعي غير مسبوق.
يوسع النفوذ الناعم في المجالات الرياضية والثقافية والإعلامية من إشعاع المغرب إلى ما هو أبعد من حدوده التقليدية، عبر التنظيم المشترك لكأس العالم 2030 مع إسبانيا والبرتغال. تضع هذه التظاهرة المغرب في قلب الاهتمام العالمي وتشكل مُسرّعاً لتحديث البنية التحتية وصورة البلاد، حيث ستُقدّم هذه المسابقة الأكثر مشاهدة في العالم واجهة استثنائية للإنجازات المغربية. يُعزّز الإشعاع الثقافي من خلال نشر الثقافة المغربية دولياً والترويج لإسلام معتدل، بالإضافة إلى دور الجاليات المغربية كجسور بين الحضارات. الاستراتيجية الرياضية الملكية، التي أوصلت "أسود الأطلس" إلى قمة كرة القدم العالمية، خلقت شعوراً بالانتماء والفخر الجماعي يتجاوز الحدود الوطنية بكثير. يُضاف إلى ذلك تنظيم المغرب لمئات التظاهرات الرياضية والثقافية الدولية كل سنة، مما يجعله وجهة مفضلة للفعاليات الكبرى. يُضخّم هذا النفوذ الناعم متعدد الأبعاد من الجاذبية الاقتصادية والسياحية للمملكة، ويخدم طموحاتها الدبلوماسية. في زمن حروب النفوذ، يراهن المغرب على أصالته وديناميته لإقناع الرأي العام الأفريقي والدولي. هكذا، يصبح النجاح الرياضي والثقافي سفيراً صامتاً للمغرب في عواصم العالم.
يشكل التموضع كقوة ناشئة متوسطة عند تقاطع العوالم الأطلسية والمتوسطية والساحلية الورقة الاستراتيجية القصوى للمغرب، وفقاً لتقرير صادر عن مركز "ستيمسون" ماي 2026. لم يعد المغرب مجرد دولة عازلة للهجرة لفائدة أوروبا، بل فاعلاً جهوياً استباقياً ومرساة مستقرة عند ملتقى أوروبا وأفريقيا، بفضل موقعه الجيوسيولوجي الفريد من نوعه هيكلياً. يسمح هذا الموقع للمملكة بلعب دور الوسيط والربط بين كتل جيوسياسية متنافسة أحياناً، مع تنمية عدم انحياز براغماتي. تبقى التحديات مع ذلك كبيرة: فبطالة الشباب مرتفعة، وندرة المياه تشكل عائقاً بنيوياً، والتنافس الجيوسياسي مع الجزائر لا يزال عامل عدم استقرار. لكن قدرة المغرب على الحصول، في غضون سنة واحدة، على التحاق دبلوماسي لعدة دول أفريقية كبرى، تشهد على فعالية استراتيجيته المدمرة للخصوم. عبر الرهان على مزيج فريد من المؤهلات الطبيعية والرؤية الملكية بعيدة المدى والمرونة الدبلوماسية، يضع المغرب منهجياً كل أوراقه لترسيخ ريادته الجهوية في أفريقيا وخارجها. هذا التموضع الاستراتيجي يجعله شريكاً محايداً وموثوقاً به في عالم متعدد الأقطاب. وهكذا، يتحول المغرب من فاعل إقليمي إلى قوة جهوية مؤثرة وقادرة على رسم ملامح مستقبل القارة.
