أصدرت محكمة النقض بالرباط قراراً قضائياً تاريخياً حسم الجدل القانوني حول استخدام كاميرات المراقبة من قبل المواطنين في محيط منازلهم، مؤكدة أن دواعي الأمن وحماية الممتلكات لا تعفي من الالتزام بالقوانين المنظمة لحماية المعطيات الشخصية. وجاء هذا القرار ليشكل مرجعاً قضائياً مهماً في الموازنة بين الحق في حماية الممتلكات والحق في احترام الحياة الخاصة، حيث شددت المحكمة على أن تركيب الكاميرات يظل خاضعاً للقانون رقم 09.08 المتعلق بحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي. واعتبرت المحكمة أن عدم احترام الضوابط القانونية يجعل قرار إزالة الكاميرات سليماً، حتى لو كانت النية من ورائها أمنية بحتة. ويأتي هذا الحكم في وقت تزايد فيه استخدام هذه التقنيات بشكل عشوائي في الأحياء السكنية، مما أثار العديد من النزاعات بين الجيران حول حدود الخصوصية.
وتفصيلاً، يعود أصل النزاع إلى قضية نشبت بين مكتري شقة بالطابق السفلي لإحدى الفيلات بمنطقة عين الذئاب بالدار البيضاء ومالكي العقار، حيث طالب المكتري بإزالة كاميرات المراقبة التي اعتبر أنها تمس بخصوصيته. كما طالب المكتري بإزالة سياج حديدي قال إنه يعرقل ولوج سيارته إلى المرآب، مما جعل القضية متعددة الأبعاد بين الخصوصية وحق المرور. وقد تمسك المكتري بحقه في الحياة الخاصة بعيداً عن أي مراقبة غير مرخص لها قانوناً، معتبراً أن الكاميرات ترصد تحركاته داخل المسكن الذي يكتريه. من جهة أخرى، رأى المالكان أن الإجراءات التي اتخذوها تأتي في إطار حماية ممتلكاتهم وأفراد أسرتهم من أي خطر محتمل. هذا التناقض في وجهات النظر جعل القضاء المغربي أمام اختبار حقيقي للفصل بين الحقوق المتعارضة في إطار التشريع الوطني.
وعلى مستوى المحاكم الابتدائية، قضت المحكمة بإزالة الكاميرات والسياج مع الحكم بتعويض لفائدة المكتري، قبل أن يستأنف مالكا العقار هذا الحكم مدعين أن الكاميرات وضعت لأسباب أمنية بحتة. وأكد المالكان خلال مراحل التقاضي أن موقع الفيلا يفرض اعتماد وسائل مراقبة لحماية الأشخاص والممتلكات من أي اعتداء محتمل. كما استند المالكان إلى تقرير الخبرة المنجزة الذي أكد أن الكاميرات لا تستهدف غرفة المكتري ولا تراقب فضاءه الخاص، بل تقتصر على المداخل والممرات المشتركة. غير أن محكمة الاستئناف أيدت الحكم الابتدائي، معتبرة أن القانون يلزم واضعي الكاميرات بإشعار المعنيين بوجود نظام المراقبة عبر علامات واضحة وبارزة. وهنا كان العنصر الجوهري الذي حسم القضية، وهو عدم توفر أي دليل على إشعار المكتري بوجود الكاميرات وفق الشروط القانونية المطلوبة.
وفي قرارها الصادر بتاريخ 16 أبريل 2024، أكدت محكمة النقض أن لكل شخص الحق في الاعتراض على معالجة المعطيات المتعلقة به، وأن حماية الحياة الخاصة تعتبر حقاً أساسياً لا يمكن المساس به إلا في حدود القانون. ورفضت المحكمة الطلب المقدم من مالكي العقار، مؤكدة أن عدم إثبات إشعار المعنيين بوجود الكاميرات وفق الشروط القانونية يجعل قرار إزالتها سليماً من الناحية القانونية. وأوضحت المحكمة أن الأمن حاجة مشروعة، لكنه لا يمكن أن يكون ذريعة لتجاوز الضوابط التي وضعها المشرع لحماية المعطيات الشخصية. كما شددت على أن أي تركيب لكاميرات المراقبة يجب أن يكون متناسباً مع الغرض المنشود، وألا يتجاوز الحدود التي تحول دون تحوله إلى وسيلة مراقبة غير قانونية. وبهذا المنطق القانوني المحكم، انتهت المحكمة إلى رفض طلب النقض وتأييد ما قضت به المحاكم السابقة من إزالة الكاميرات والسياج.
ويشكل هذا القرار مرجعاً قضائياً مهماً بخصوص شروط استخدام كاميرات المراقبة في الفضاءات المرتبطة بالمساكن، حيث بات واضحاً أن التشريع المغربي يحمي الحق في الخصوصية حتى داخل الملك الخاص المشترك. وينبغي على المواطنين الراغبين في تركيب كاميرات المراقبة أن يلتزموا بالضوابط القانونية، وعلى رأسها إشعار الجيران والمعنيين بوجود هذه الكاميرات عبر علامات واضحة. كما أن القرار يذكر بأن الخبرة التقنية التي تثبت عدم استهداف الكاميرات لفضاء معين لا تكفي وحدها لإضفاء الشرعية، طالما لم تُراعَ الإجراءات الشكلية المنصوص عليها في القانون. وبهذا الحكم، يكون القضاء المغربي قد أسس لاجتهاد قضائي متوازن يحمي الحقوق الأمنية دون التضحية بالحقوق الأساسية للأفراد في الحياة الخاصة. ويبقى التحدي الأكبر هو نشر الوعي القانوني بين المواطنين بهذه الضوابط، تفادياً لنزاعات قد تكون مستعرة بين الجيران بسبب تركيب كاميرات بشكل عشوائي وغير قانوني.
