في خضم أزمة عالمية غير مسبوقة بقطاع الأسمدة، اتخذ المكتب الشريف للفوسفاط قراراً استراتيجياً جريئاً نهاية شهر ماي 2026 يقضي بالعودة إلى 100% من طاقتها الإنتاجية من الأسمدة بحلول نهاية يونيو، بعد أن كانت قد قلصت إنتاجها بحوالي 30% منذ نهاية فبراير. ويعود أصل الأزمة إلى التوترات في مضيق هرمز، التي تسببت في شلل تقريبي لنصف التدفقات العالمية للكبريت، فقفز سعر الطن من 500 دولار إلى 1400 دولار في غضون أسابيع، أي بثلاث أضعاف. وفاقم الوضع منع الصين لصادراتها من حمض الكبريتيك حتى نهاية غشت، وتضرر المنشآت الروسية المنتجة للكبريت بفعل الضربات الأوكرانية. ونتيجة لهذه الصدمات المركبة، عجزت كبرى الشركات العالمية عن الوفاء بالتزاماتها، مما خلق فراغاً كبيراً في سلاسل التوريد العالمية. وفي هذا السياق المضطرب، جاء قرار OCP ليقلب المعادلة ويحول الأزمة إلى فرصة استراتيجية.
وأبرز مسؤولون بـ "أو سي بي" أن المجموعة قادرة على شراء الكبريت بأسعار مرتفعة مع الاحتفاظ بهامش ربح، بفضل قيادتها للتكاليف القائمة على الفوسفاط المغربي. ويعود هذا التفوق التنافسي إلى جودة الفوسفاط المغربي الذي يحتوي على نسب أقل من الشوائب، مما يخفض استهلاك الكيماويات في عملية التحويل. كما أن المجموعة استثمرت لسنوات في البنية التحتية اللوجستية والموانئ العميقة، التي تمكنها من التزود بالكبريت من عدة مصادر بديلة. وبهذه الميزات، تمكنت OCP من استيعاب الصدمة السعرية بشكل أفضل من منافسيها، الذين وجدوا أنفسهم مجبرين على خفض الإنتاج. وبالتالي، لم يعد هامش الربح رهناً بسعر الكبريت وحده، بل بقدرة المجموعة على إدارة التكلفة الإجمالية بكفاءة.
ويُمثّل منتج "تي إس بي" (سوبر فوسفات ثلاثي) ركيزة استراتيجية في هذا التحول، إذ ارتفعت حصته من 30% إلى 65% من محفظة مبيعات المجموعة، وهو منتج يستهلك ما بين 30 و50% من الكبريت أقل لكل وحدة منتجة، وأطلقت الهند للمرة الأولى طلب عروض عمومي بشأنه. وقد عملت فرق البحث والتطوير بالمكتب على تحسين تركيبة هذا المنتج لزيادة فعاليته الزراعية مع تقليل بصمته الكيميائية. وهذا التحول في المزيج التجاري لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة استباق للأزمة واستعداد مسبق. وتشير المعطيات إلى أن الأسواق الآسيوية والإفريقية أبدت إقبالاً كبيراً على "تي إس بي"، نظراً لفعاليته المثبتة في التربة الجيرية والفقيرة. وبذلك حوّلت OCP قيد الكبريت إلى ميزة تنافسية جديدة، بدلاً من أن يظل عائقاً.
وفي مقابل تراجع منافسين دوليين كـ "موزاييك" الأمريكية التي خفّضت قدراتها بـ 50%، تموقع المغرب اليوم كـ "ضامن للأمن الغذائي العالمي"، خاصة أن دولاً أوروبية أعلنت رغبتها في تكوين احتياطيات استراتيجية من الأسمدة على غرار النفط والغاز. وقد لاقى هذا التوجه ترحيباً من منظمات الفلاحة العالمية، التي رأت فيه استقراراً لأسعار المواد الغذائية في النصف الثاني من العام. وباتت المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي تطرح بشكل جديد، حيث يُنظر إلى المغرب كشريك موثوق بعيداً عن التقلبات الجيوسياسية للشرق. كما تسارعت وتيرة طلبات التوريد من بلدان أمريكا اللاتينية التي كانت تعتمد سابقاً على الكبريت الروسي. وهكذا، تتحول OCP تدريجياً من شركة منتجة للتعدين إلى فاعل محوري في الأمن الغذائي العالمي.
ويُتوقع أن يتجاوز رقم معاملات المجموعة لسنة 2026 ما حققته في 2025، مع هدف استراتيجي يصل إلى 35 مليون طن من القدرة الإنتاجية في أفق 2035، مقابل 19 مليون طن متوقعة في 2028 وأقل من 3 ملايين طن في 2006. ويعكس هذا النمو الطموح رؤية المغرب للرهان على التكامل الإقليمي في مجال الأمن الغذائي، خاصة مع دول إفريقيا جنوب الصحراء. وقد سارعت المؤسسات المالية الدولية إلى رفع توصياتها بشأن سندات OCP، معتبرة أن نموذجها أثبت صموده في وجه أزمات سلاسل القيمة. غير أن خبراء يحذرون من أن العودة إلى الطاقة القصوى تتطلب تأمين عقود طويلة الأمد للكبريت بأسعار معقولة، وهو ما لم يتحقق بعد. ورغم ذلك، يبقى المغرب اليوم في موقع قوة نادر، حيث أصبحت أسمدته سلعة استراتيجية تبحث عنها الحكومات، وليس مجرد منتج تجاري.
