أظهرت البيانات الصادرة عن مكتب الصرف، والتي حللت في هذا التاريخ، استمرار الدينامية الإيجابية القوية التي يشهدها قطاع السياحة المغربي، مؤكدةً دوره المحوري كرافعة أساسية للاقتصاد الوطني. ففي مؤشر جديد على متانة القطاع، حققت إيرادات السفر خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الجاري 53.76 مليار درهم، مقابل 46.91 مليار درهم خلال الفترة نفسها من العام الماضي، مسجلة بذلك نمواً ملحوظاً بنسبة 14.6% يعادل زيادة إضافية قدرها 6.85 مليارات درهم ضُخت في خزينة الدولة. ويعكس هذا الأداء الاستثنائي، الذي يأتي في سياق دولي يتسم بتحديات جيوسياسية واقتصادية، نجاح الاستراتيجيات المعتمدة في تعزيز جاذبية الوجهة المغربية ورفع قيمة الإنفاق السياحي، حيث تجاوزت العائدات خلال الربع الأول وحده حاجز 31 مليار درهم بارتفاع نسبته 24%.
ويعزى هذا النمو القياسي إلى عاملين رئيسيين: الارتفاع المستمر في عدد الوافدين، والزيادة في متوسط الإنفاق لكل سائح. فالمملكة استقبلت 7.7 ملايين زائر خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2026، بزيادة 7% مقارنة بالفترة نفسها من 2025، مع تسارع ملحوظ في شهر ماي الذي شهد ارتفاعاً في عدد الوافدين بنسبة 13%. ويُعد هذا الأداء امتداداً للزخم القياسي الذي تحقق عام 2025، حين استقطب المغرب 17.4 مليون سائح، ليواصل بذلك مساره التصاعدي نحو تحقيق الأهداف الطموحة لخارطة الطريق الوطنية للسياحة. ومن اللافت أن إيرادات القطاع تجاوزت تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج، التي بلغت 50.2 مليار درهم، مما يعكس تحولاً في هيكل تدفقات العملة الصعبة نحو المملكة لصالح النشاط السياحي.
وتتجاوز أهمية هذا الأداء مجرد الأرقام القياسية، إذ يُؤكد المكانة الاستراتيجية للسياحة في النسيج الاقتصادي والاجتماعي للمغرب. فوفقاً لمعطيات المندوبية السامية للتخطيط، يساهم القطاع بحوالي 7.3% من الناتج الداخلي الإجمالي، بقيمة تقدر بحوالي 116.2 مليار درهم. كما يبرز دوره البارز في سوق الشغل، حيث وفر القطاع 894 ألف منصب شغل مباشر خلال سنة 2025، مقابل 802 ألف سنة 2022، أي بإحداث 92 ألف وظيفة جديدة في غضون ثلاث سنوات فقط. ومع استمرار هذا الزخم، تُرسخ السياحة مكانتها ليس فقط كمورد أساسي للعملة الصعبة، بل كمحرك رئيسي للتنمية الشاملة، بما تولده من آثار إيجابية تمتد إلى قطاعات النقل، والتجارة، والصناعة التقليدية، والفندقة، والخدمات المالية، معززة بذلك دورها كقطاع واعد لتحقيق النمو الاقتصادي المنشود.
